الذهبي

1042

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

فلمّا أصبح الناسُ مِن الغد طلبوا مِن الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان الأرزاق ، وماج الناس بعضهم في بعض ، وقام محمد بْن أَبِي خَالِد كبير الأبناء بباب الشام فقال : أيّها الناس ، والله ما أدري بأيّ سبب تَأمّر الحسين علينا ؟ والله ما هُو بأكبرنا سنّا ، ولا أكرمنا حسبًا ، ولا أعظمنا منزلة وغَناء ، وإنّ فينا مِن لا يرضي بالدَّنَيَّةِ ، ولا ينقاد بالمخادعة ، وإني أوّلكُم نقض عهده ، وأنكر فِعله ، فمن كَانَ رأيُه رأيي فلْيعتزلْ معي ، وقام أسد الحربيّ فقال نحو مقالته ، فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفية فصاح : اسكتوا أيّها النّاس ؛ فسكتوا لَهُ ، فقال : هَلْ تعتدون عَلَى محمدٍ بقطع أرزاقكم ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فهل قصّر بأحدٍ مِن أعيانكم ؟ قالوا : ما علمنا . قال : فهل عُزِل أحدًا مِن قُوّادكم ؟ قَالُوا : لا . قَالَ : فما بالكم خذلتموه ، وأَعَنْتُم عدوّه عَلَى اضطهاده وأسره ؟ أما والله ما قتل قوم خليفتهم إلا سلَّط الله عليهم السيف ، انهضوا إلى خليفتكم فادفعوا عَنْهُ ، وقاتِلوا مِن أراد خلعه ، فنهضت الحربيّة ، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض ، فقاتلوا الحسين وأصحابه قتالا شديدًا ، وأكثروا في أصحابه الجراح ، وأُسِر الحسين ، فدخل أسد الحربيّ عَلَى الأمين ، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة ، فنظر محمد إلى قومٍ لَيْسَ عليهم لباس الْجُنْد ، ولا عليهم سلاح ، فأمرهم فأخذوا مِن الخزائن حاجتهم مِن السلاح ، ووعدهم ومَنّاهم . وأحضروا الحسين فلامَه عَلَى خِلافه ، وقال : ألم أقدّم أباك عَلَى الناس ، وأُشرّف أقداركم ؟ قَالَ : بلى . قَالَ : فما الَّذِي استحققتُ بِهِ منك أن تخلع طاعتي ، وتؤلّب النّاس عَلَى قتالي ؟ قَالَ : الثّقة بعفو أمير المؤمنين وحُسْن الظّنّ بصفحه ، قَالَ : فإنّي قد فعلت ذَلِكَ ، وولَّيْتُك الطلب بثأر أبيك ، ثمّ خلع عَلَيْهِ ، وأمرَه بالمسير إلى حُلوان ، فخرج . فلمّا خفَّ النّاس قطع الجسر ، وهرب في نفر مِن حَشَمه ومواليه ، فنادى الأمين في الناس فركبوا فأدركوه ، فلما بُصر بالخَّيل نزل فصلّي ركعتين ثمّ تهيأ ، فلقيهم وحمل عليهم حملات في كلها يهزمهم ، ثم عثر به فرسه فسقط وابتدره الناس فقتلوه ، وذلك عَلَى فرسخ مِن بغداد للنصف من رجب ، وأتوا برأسه . وقيل : إن الأمين لما عفا عَنْهُ استوزره ، ودفع إِلَيْهِ خاتمه ، وصبيحة قتله جدّد الْجُنْد البيعة للأمين . وليلة قتله هرب الفضل بْن الربيع .